
ان للسياب في اذهاننا نسقاً شعرياً ذا قسمات محددة ونسيجاً خاصاً فالحاسة الانطباعية ازاء شعره تنقلنا الى سيرته الذاتية ودلالاتها وتجلياتها حيث يقدم في تكوينه الابداعي تفسيراً لتصور الحياة
خاصاً وفردياً عبر واقع جدي نقي بما يعطي لشخصيته عمقاً سايكولوجياً وبخاصة في عملية تفاوضه مع البقاء من خلال لغته الدالة المحملة بالحزن .
وربما كان موقف السياب من هذه القصائد التي لم ينشرها موقفاً فنياً لا يتفق وحسه بمستواها الذي يطمح اليه ، كما كان بعض اصدقائه يشيرون عليه بأن يهمل القصيدة التي تبدو دون مستوى شعره ، وقد تكون قيد المراجعة والتنقيح لكن الموت لم يمنحه فسحة المعاودة أو ربما أهملها لأنها تكرر قصائد اخرى في تعالق نصي أو ربما ثمة ما يخدش بناءها الفني في نظره .
ومن جانب اخر يمكن ان يقال ان الكتابة السريعة التي مارسها في ايامه الاخيرة والتي كان يتسابق فيها مع الموت جعلته يتسابق مع الوقت في انتاج شعره ، لا سيما انه في تلك الايام كان يتوقع موته القريب ، او جنونه او سقوط يده الذي يعطل الكتابة حتى انه قال:
(فدونك يا خيال .. مدى وآفاق سماء
وأشَعل في دمي زلزال
لكنت قبل موتي أو جنوني او سقوط يدي من الاعياء)
مقطع من قصيدة ( عكاز من الجحيم ص 1692 المجلد الاول).
وفي هذه القصيدة ( على حجر السلم ) يشغل موضوع ( الوجع والعودة) محورها وهو موضوع شعري استغرق العديد من قصائده ، واستوفى جوانب مختلفة منها وكانت عصارة روحه كامنة فيها بمراراتها وقتامتها.
ويغلب ظني انه كتبها على سرير مرضه في رحلة احتضاره حيث كان الالم هو السارد عند الشاعر شاحب اللون ناحل الجسم ضعيف العظم ، عاجز عن المسير كأنه بقية انسان وهي المرحلة التي لجأ فيها الى التعاويذ وطب الاعشاب وهوس العودة والتشاؤم.
انه يعلم بحال ما سيكون عليه ، وكأنه المنقذ ليخفف عن روحه وحشة الحرمان بحضور صورة المرأة الحلم أو خيال اسراره ، رغم ان هواجس الموت تلاحقه غير ان الذكرى لديه هي الملاذ وخلال استغراقه بين حياة وموت يصمم على العودة الى حبيبته بروحية قلقة ونشعر ان سطوة الرحيل أقوى من كراهية الموت ، انها قصيدة تستبطن اشكالية الامل والخيبة والضوء والظلمة والتقنية اللغوية فيها ذات مستوى اسلوبي يتصل بدراما النص وتلتحم فيه النحوية والبنى الداخلية واستجابة القارئ لقصيدة تحمل بلا شك قيمتها الذاتية فكلمات السياب وايقاعاتها لا تقف عند حدود الصور اللفظية بل تتغلغل في اعماق النفس لما لها من خصائص شعرية تنفرد بها في زمانها.
القيت على حجر السلم.
جسمي المكدود .
ومددت الى الباب الموصود
وعيوني مغمضة تعلم
يمناي .. فأرجعها قلقي
هل أطرق ؟ همس مذعور
هل ارجع ؟ يأس موتور
مصباح يّعوزه النور
******
الساعة تضرب في حنق
والصمت عميق
الصمت عميق
الصمت عميق
والنجم في الافق النائي
يخبو ويغور
والشوق يزلزل اعضائي .
والرغبة في شفتيَّ تثور
*****
أأبوح .. وأصرخ بالباب
والسلم .. والنور الخابي
حطمتُ جدار الاحقاب
*****
اني سأعود
اني سأعود .. مع الفجر.
واضم الليل الى قلبي
فأخبي مصباحي المطفأ
*****
فقفي
اني سأعود
سأراك على درج السلم
وذراعك ترفع مصباحاً.
في الليل المظلم ، أو أحلم
اني سأعود
وسنرقى السلم أرواحاً
ضاقت بالأرض وبالزمن
تقويماً خطَ على كفن
وتلاقت …
والصمت عميق