لا أدري لماذا تذكرت عبارة قالها أحد أجدادنا في القرن الرابع الهجري، فقد حوصر هذا الرجل من قبل أقاربه ومعارفه ومحبيه بنصائح كثيرة، قالوا له: لماذا تعشق هذه المرأة، وأمامك فلانة السمراء الجميلة، أولا ترى بنت عمك التي يأخذ جمالها العقول، إلى غير ذلك من نساء عرضن عليه، في مجلس عام، فضاق ذرعاً، بكل ماسمع وقال عبارته الشهيرة: قلبي ليس نخاساً! وأعتقد أن هذا هو حال جميع العشاق الذين تتملكهم حمى أنثى واحدة دون سواها، فقلب العاشق يشتري مرة واحدة، ولايعرف البيع والشراء بعدها. حين نقول عاشق، فإننا نعني أكثر من كلمة محب، لأن العشق، كما سبق وأن قلت لك، أنتِ مرتبة لايصلها جميع الناس، بل أقل من القلة منهم، وهذا لايمنع أن أغلب الناس يتحدثون عن الحب، كما يتحدثون عن وجبة سريعة في مطعم غربي، البعض يقول إن هذا هو حال عصرنا، وهذه اكذوبة كبرى، فإذا عدنا بالذاكرة مئات السنوات إلى الوراء، سواء في الشرق أو الغرب، لن نجد سوى أسماء معدودة لرجال أو نساء، عرفوا نعمة العشق وعاشوا تلك التي تسميها أنت جنوناً، هستيريا، حين تغضبين، ثم تعودين إلى نفسك: لا أستطيع العيش من دونك، هذا هو بالضبط ما يحدث، يجد الإنسان نفسه لايستطيع مواصلة حياته دون ذلك الشخص المخفي جيداً بين ضلوعه. للقلب عقل صغير يفكر، وإذا أصدر الدماغ أمراً ما، يجافي تعليمات العقل الصغير، فإن هذا، الأخير يرد عليه: أنا لست نخاساً، كي تعرض عليّ النساء، هذه شقراء وتلك سمراء وشرف في الأوصاف وتجمل الكلام، إذ لا فائدة حتى لو كان ما تقول صحيحاً.
يعتقد البعض أن من يعذبه داء العشق، يكون هشاً، ضعيفاً، ويبدو أن هذا الشائع بين الناس، مغلوطاً للغاية، فالعاشق يستمد ما فيه، طاقة استثنائية للتضحية، فمن يعشق وطنه، يستعد للتضحية بحياته دفاعاً عنه، ومن يعشق أنثى يبذل من أجلها قصارى جهوده بشرف واستقامة، ولايسأل لماذا يفعل ذلك، وما ذا يريد مقابل ذلك، سماسرة القلوب والأوطان يبغون الوصول إلى أهدافهم، الجاه والأموال، وسوى ذلك مما يضعونه في رؤوسهم ويرددون الغاية تبرر الوسيلة، العشاق لديهم غاية شريفة، قدر شرف الوسائل، لذلك يبدون في صورة غاية في البراءة، بالنسبة لمن يتداول بوحه بالخبث والضغينة والشد على الأسنان.
في مساء ذلك اليوم، همست في أذني عبارة أثارت دهشتي، لكني لم أعلق بشيء، كنت مندهشاً، فهمست لنفسي: أيعقل أن تجهلني إلى هذا الحد، وحرصت في وقت آخر، أن أقول: قلبي ليس نخاساً.
أغلب الناس يرددون القول البعيد عن العين بعيد عن القلب. لاأدري من أين تأتي هذه الأقوال السائرة، ولماذا تنتشر بين الناس دون أن يكلف أحد نفسه وجع السؤال عن صحتها. ربما لأن أغلب الناس، تحبذ سكينة الموت بالسير على قدمين.
وحدهم الذين يؤمنون بأن القلب ليس نخاساً، يثيرون الأسئلة الكبرى للإنسان، وإذا لم تكن واحداً من هؤلاء، لاتزعم أنك منهم!