ما بين النقد الذاتي وجلد الذات
بقلم: د. عبد الكريم بكار
كثيرا ما نختلف في مسألة استعراض السلبيات في تاريخنا وحياتنا اليومية، حيث تجد من يقول لك
:إن هذا من جلد الذات، وإن السوء لم يبلغ إلى الحد الذي تتحدث عنه.
وهنا ينبري شخص آخر ليقول:هذا ليس من جلد الذات بل هو شيء قليل من النقد الذاتي، وإن أوضاعنا هي أسوأ من ذلك بكثير...
هل نستطيع يا ترى أن نؤسس لشيء من التمايز بين النقد الذاتي وجلد الذات؟
نحـــاول...
1ـ النقد الذاتي شيء طبيعي ومطلوب لأننا نخطئ ونقصر، ولأننا حين ننظّر ونخطط نفعل ذلك بطلاقة كاملة، لكن عند التنفيذ تبرز لنا محدودية الإمكانات والقوى المعاكسة وأشياء أخرى مما يجعل المفارقة بين التخطيط والتطبيق بارزة للعيان.
2ـ لا نستطيع وضع حد فاصل كامل بين النقد الذاتي وجلد الذات، وذلك لسبب بسيط هو أننا لا نستطيع الاتفاق على تعريف أي واحد منهما.
3ـ الذي يجلد ذاته، يمارس النقد والتوبيخ مع اليأس من الصلاح والإصلاح. أما الذي ينتقد فإنه يقوم بذلك في محاولة منه لاكتشاف طريق الإصلاح.
4ـ الذي ينقد ذاته لا يوجه النقد لها على نحو شامل، وإنما ينقد بعض التصرفات والسلبيات والسلوكات مع إدراكه لما لديه من خير وإيجابية. أما الذي يجلد ذاته، فإنه يمارس نوعاً من الازدراء الشامل لها، فهو لا يرى إلا سيئاتها، وحين يذكر بعض حسناتها، يستخف بما ذكره.
5ـ إن الذي أدمن جلد ذاته يغلب على مجالسه الحديث عن العيوب والنقائص، ولهذا فهي محبطة ومشبعة باليأس. أما النقد الذاتي فهو عبارة عن تقويم للذات، كما يفعل الناقد حين ينقد نصا أدبيا، فإنه يبرز ما فيه من صور مشرقة، وما فيه من عيوب، ولهذا فإن مجالس النقد يتخللها المرح والتفاؤل والأريحية. نعم للنقد؛ ولا لجلد الذات. نعم للإقرار بالواقع، ولا لليأس. نعم لفهم الحاضر ولا للوقوف عنده.