
قيل لابن مسعود رضي الله عنه : ما نستطيع قيام الليل , قال : أبعدتكم ذنوبكم .
وقيل للحسن : أعجزنا قيام الليل , قال : قيدتكم خطاياكم . وقال : إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل .
وقال بعض السلف : أذنبت ذنبا فحرمت به قيام الليل ستة أشهر .
وقال الفضيل بن عياض قدس الله روحه : إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل كبلتك خطيئتك .
قال في اللطائف : ما يؤهل الملوك للخلوة بهم إلا من أخلص في ودهم ومعاملتهم , فأما من كان من أهل المخالفة فلا يؤهلونه ولا يرضونه لذلك , ولذا قيل : ( شعر )
الليل لي ولأحبابي أحادثهم قد اصطفيتهم كي يسمعوا ويعوا لهم قلوب بأسراري لها ملئت
على ودادي وإرشادي لهم طبعوا [ ص: 505 ] قد أثمرت شجرات الفهم عندهم
فما جنوا إذ جنوا مما به ارتفعوا سروا فما وهنوا عجزا وما ضعفوا
وواصلوا حبل تقريبي فما انقطعوا
وفي أثر مشهود { كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني , أليس كل محب يحب خلوة حبيبه , فها أنا ذا مطلع على أحبائي إذا جنهم الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم , فخاطبوني على المشاهدة , وكلموني على حضوري , غدا أقر أعين أحبابي في جناني } .
حكاية لطيفة وفي المورد العذب للإمام الحافظ ابن الجوزي روح الله روحه : قال عبد الواحد بن زيد : عصفت بنا الريح على جزيرة في البحر , فإذا برجل يعبد صنما . فقلنا له أيها الرجل من تعبد ؟ فأومأ بيده إلى الصنم , فقلنا له إن معنا في المركب من يعمل هذا , قال فأنتم من تعبدون ؟ قلنا نعبد الله تعالى , قال ومن هو ؟ قلنا الذي في السماء عرشه , وفي الأرض سلطانه , وفي الأحياء والأموات قضاؤه . قال كيف علمتم هذا ؟ قلنا وجه إلينا رسولا أعلمنا به , قال فما فعل الرسول ؟ قلنا قبضه الله إليه , قال فهل ترك عندكم علامة ؟ قلنا : ترك عندنا كتاب الملك , قال أرونيه , فأتيناه بالمصحف فقال ما أعرف هذا , فقرأنا عليه سورة وهو يبكي , ثم قال ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يعصى , فأسلم وحملناه معنا وعلمناه شرائع الإسلام وسورا من القرآن , فلما جن الليل صلينا وأخذنا مضاجعنا , فقال يا قوم الإله الذي دللتموني عليه أينام إذا جنه الليل ؟ قلنا لا يا عبد الله هو حي قيوم لا ينام , قال بئس العبيد أنتم تنامون ومولاكم لا ينام , فعجبنا من كلامه , فلما قدمنا عبادان جمعنا له دراهم وأعطيناها له وقلنا له أنفقها , قال لا إله إلا الله دللتموني على طريق لم تسلكوه , أنا كنت في جزيرة في البحر أعبد صنما من دونه فلم يضيعني فكيف الآن وقد عرفته , فلما كان بعد أيام أتاني آت فقال لي : إنه يعالج سكرات الموت , فجئته وقلت ألك حاجة ؟ فقال قد قضى حوائجي من عرفتني به . فبينما أنا أكلمه إذ غلبتني عيناي فنمت فرأيت في المنام روضة وفي الروضة قبة وفيها سرير عليه جارية أجمل من الشمس تقول [ ص: 506 ] سألتك بالله عجل علي به , فانتبهت فإذا به قد مات رحمه الله تعالى , فجهزته لقبره ثم رأيته في المنام في القبة والجارية إلى جانبه وهو يتلو { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } . والله أعلم .