
ما قيل في علماء الكلام
وقد قال الناس: أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان.
ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم هم في الغالب لفي قول مختلف، يؤفك عنه من أفك، يعلم الذكي منهم والعاقل أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست بينة وإنما هي كما قيل فيها:
حجج تهـافت كالزجـاج تخالهـا
حقــا وكــل كاسـر مكسـور
ويعلم العليم أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي -رضي الله عنه- حيث قال: حُكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.
ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القَدَرِ -والحيرةُ مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم- رحمتهم، ورفقت عليهم وأوتوا ذكاء وما أوتوا ذكاء، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة:
(فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ).
--------------------------------------------------------------------------------
نعم يعني النظر إلى هؤلاء المتكلمين ينظر إليهم من جهتين:
إن نظرت إليهم بعين الشرع -نعم كما قال المؤلف- رأيت أنهم مستحقون لما قاله الشافعي: حكمي بأهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال بمعنى أن يؤخذ على أيديه، ويؤثر على الحق ويمنع من باب إنكار المنكر ومن باب التعاون على البر والتقوى. هذا إذا نظرت إليهم بعين الشرط.
أما إن نظرت إليهم بعين القدَر؛ بمعنى أن الله عز وجل كتب عليهم هذا الأمر وقدر عليهم هذا الأمر يقول: إذا نظرت إليهم بعين القدر والحيرة مستولية عليهم والشيطان مستحوذ عليهم -رحمتهم ورفقت عليهم. أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء؛ أعطاهم الله عز وجل ذكاء أعطاهم عقول -لكنهم لما استخدموها في غير ما خلقت له صارت وبالا عليهم. أعطوا ذكاء ولم يؤتوا زكاء صلاحا وتقى، هذا الذكاء هذا العقل إن لم يحكم بالصلاة إن لم يحكم بالعلم الشرعي إن لم يحكم بالتقى عاد وبالا على صاحبه؛ ولهذا هؤلاء أعطاهم الله ذكاء -أذكياء على جانب كبير من العقل؛ ولهذا إذا قرأت في كلامهم وما سطّروه وما قعدوه تتعجب كيف يخفى عليهم الحق؟! بل كما ذكر شيخ الإسلام عن الرازي أنه أحيانا يذكر الأقوال في هذه المسألة عشرات الأقوال أقوال الناس، والقول الحق لا يعرفه فلا يذكره، وهو صاحب عقلية على مستوى كبير جدا من الذكاء لكنه لم يؤت زكاؤه، وأعطوا فهوما؛ أعطاهم الله عز وجل فهما -لكنهم لم يعطوا علوما، استخدموا هذا الفهم في غير العلم الشرعي. العلم ليس كل ما قرئ وكل ما كتب. العلـم قـال اللـه قـال رسـوله
قـال الصحـابة هم أولي العرفـان
العلـم مـا قـال فيـه حدثنـــا
ومـا سـوى ذاك وسواس الشياطين
هذا هو العلم الشرعي، فلوا استخدموا عقولهم في هذا العلم لأعطاهم الله عز وجل الذكاء، وأعطاهم الله عز وجل الفهم، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة، لكنهم لم ينتفعوا بذلك؛ السبب: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) .
والله عز وجل أخبر أنه قال: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ) ما السبب؟ (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) لما جاءهم الحق ردوا؛ فأعقبهم هذا الضلال وهذا الانحراف، علما أنهم كانوا حريصين على الحق، حريصين على تنزيه الله عز وجل، لكنهم حرموا من هذا الأمر؛ والسبب أن الحق لما جاءهم أول ما جاءهم ردوه وما قبلوه.
وبناءً على هذا يخشى المؤمن على نفسه أو يخشى الإنسان على نفسه إذا جاءه أمر الله أو أمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- ورده بسبب شبهة أو بسبب هوى -أن يعقبه الله عز وجل نفاقا لا يعود إليه الإيمان بعد ذلك.
ثم قال: (ومن كان عليما بهذه الأمور تبين له بذلك حذق السلف، وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد إلا بُعدا) بمعنى من عرف هذا الأمر تبين له أن السلف لما نهوا عن الدخول في علم الكلام، وذموا أهله، وبينوا خطر هذا العلم؛ كل ذلك لأجل ماذا؟ لأجل أن يخشى على الإنسان الضلال والانحراف، وهو لا يدري.
ثم قال: فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم الذين أنعم عليهم
(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) آمين.
ونسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لشيخ الإسلام، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير جزاء، وأن يرفع درجته في المهديين، وأن يحشرنا وإياه في زمرة الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا، وسبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.