
مشيتُ بتؤدة وبطء في الشارع المكتظ بالناس , بعضهم من المقيمين وبعضهم من المواطنين والبعض لا تعرف له طعماً ولا رائحة , ولا وجه ولا قفا . كنت حريصاً على معرفة المكان الملائم الذي أحطّ فيه قدمي بين أقدامهم . وكان آخر ما يخطر ببالي أن أؤذي أحدهم , ولكن القدر كان ملعوناً وخبيثاً , وأضمر لي نيّة سيئة وخبيثة بخلاف نياتي الطيبة والساذجة .
ولأني طيب , وغبي , وساذج , فإذا بقدمي تدهس تلك الذبابة العجوز بالخطأ !
كانت تجرّ ساقيها بتراخٍ بليد على الأرض المبلّطة بالاسمنت , ضربها أحدهم بنعاله ونجت , ورشّها أحدهم بالمبيد الحشري ونجت , لكنها لم تنجُ من موطـئ قدمي أنا , فدهستها دهساً , انفجر جسمها الضعيف على أثر هذا الارتطام غير العادل , وخرجت أحشاؤها من جوفها , وتمزّق جناحاها شر ممزّق . وراحت حياتها طي النسيان , كله بسببي , بسببي أنا ..
كل هذا حدث بغير عمد مني , وبطرفة حاجب , تلاشت نهائياً , كأنها لم تكن , كأن أيامها شخبطة في الهواء أو حرث في الماء , لا شيء , كانت لا شيء في تلك اللحظة , وقبلها بلحظات بسيطة كانت كل شيء بالنسبة لذاتها . ذبابة رأت نفسها أم الذباب الكله .
ووقفت أبكي وأنتحب . والدموع بلّلت وجهي الممتقع المتجعّد ألماً , جفّ حلقي وتيبّس لساني . اصطف المارة والسابلة عن اليمين وعن الشمال : ورفضت أن أتحرّك من مكاني قبل أن أتلو عليها صلاة الميّت الحاضر , لا الميّت الغائب .
رحمكِ الله أيتها الذبابة العجوز كانت تمثل لي شيئاً عظيماً ومظهراً من مظاهر الكفاح في هذا الحياة التي لا ترحم أحداً من بطش نواميسها . حاولت أن أقنع نفسي بلا طائل أنها مجرّد ذبابة ذهبت لتلاقي حتفها . لكن ضميري الرقيق لحد الإزعاج رفض الإقرار بهذا , كان مايزال يراها موجوداً ذا قيمة , وإن رفضوا كلهم الاقتناع بما أؤمن به .
فيا أيتها الذبابة العجوز : سامحيني , وقرّبيني من مقامك , واغسلي عاري إذ يُنادي المنادي .!