استيقظت من غفوتي الطويلة نوعاً ما والمُمتدة لآلاف السنين . لم أعرف في البداية أنها غفوة , ظننت للوهلة الأولى أنني أصبت بالإغماء , وليت ظني بقي هكذا !
بعد إفاقتي , نفضتُ التراب من على جسمي الضخم , ركلتُ صندوق التابوت بقدمي اليمنى وصرت أشاهد الغبار يتطاير ويحارب حبيبات الخردل ليحتل حيزاً من فراغ .
وجدت نفسي وأنا واقف بحركة غير إرادية : يداي ترتفعان إلى أعلى , شفتاي أستطيع التحكم بهما , أنفاسي تتسرب إلى رئتيَّ بصورة مُنتظمة وراتبة . قلبي , إنه هنا , يدق ويرجف , ولكن لا تبدو عليه علائم الموت , إنه حي جداً , على ما يرام وعلى أحسن ما يكون . وللأسف هذا ما يحصل !
خرجت من الضريح , لا أحد يُوجد , ولا حبة من الناس المتساقطة , ولا شخص . اعتمرت الخوذة , حملت السيف , لبست الدرع استعداداً لأن ألقي الحتف مرة ثانية : لا بد وأن عدواً من الأعداء المتربصين والمُتآمرين يقف في الخارج , لا بدّ وأن أشور مملوءة بالقتلى والمنكوبين الذين أبادهم أعداء الامبراطورية . لدى ارتطام الضوء بعينيَّ , وضعت يدي لأسد الأفق الضوئي من أمامي , كان كل شيء صاعقاً كهذه الصدمة الضوئية . حياة لا أعرفها , أناس لا أفهمهم , عربات تزأر في الطرقات , وجوه بائسة لا تفقه شيئاً عن الحرب , أناس تغيروا ولم تعد لديهم محبة للصراع , أنوف تمرغت في الأوحال وأعين لم تألف إلا المناظر السلمية .
هذا ليس عدلاً !
كلمت الناس , نفضت أبدانهم وهززتها , صرخت في وجوههم الباردة , لا أحد يستجيب , ولا أحد يتحمّس , والصمت يرين في كافة الأرجاء , مناخ جنائزي لا يُوصف هو هذا المناخ الذي هيمن على أشور وما حواليها . لكنني لا أصمت : إن هذا الصمت حرام في شريعتي التي كتبتها بدم أرقته كالسيل الطافح في الوديان . وهذا الدم لا يجب أن يكون سعره بالمجان .
دخلت في بيت من البيوتات بعد أن كسرت بابه رافساً إياه بقدمي , ذعر الموجودون , خافوا وهربوا , تصدي لي من في البيت ولكن أطحت برأسه بضربة واحدة من سيفي البتار . تدخل أحدهم ولكمته بالدرع فطار بعيداً مفسحاً لي الطريق كي أدلف إلى الصالة . وجدت جهازاً غريباً يلمع . لم يكن سوى الشاشة . أمامها الكيبورد . نقرت بإصبعي عليها : أ .. ب .. c .. H حروف مجنونة هي هذه الحروف . رقنت كلامي على الكيبورد , والدماء تضج من حولي , والأبرياء يسبحون فيها , ولكني لا أكترث . كتبت هذا الموضوع , وأنهيته , حينما طالب صاحب الجهاز بالابتعاد , ذعرت منه : ليس لأنه أقوى , ولكن طغى عليّ شعور بالذنب !
قلت له :
- أعدك أنني سأقتل نفسي في أقرب فرصة ولن يراني أحد بعد هذا اليوم .
رميت السيف والدرع والخوذة ..
سرت لوحدي . واختفيت . بعيداً عنه . أسير . بلا هدف . من غير غاية . يداي مُلطختان بالدم . روائح الموتى تفوح . السماء تتلبد بالغيوم السوداء الغامقة . العصافير تشقشق باحتجاج غريب غير مفهوم . الصراصير تعرج ببلاهة وتسير من غير اتزان . ثمة وزغة تتسلق الجدار بسرعة وتدخل في شطب من الجدران وعيناها السودوان ترمقانني بلعَانة ، ضفدعة تنقنق بإزعاج . ذبابة تطن بالقرب من أذني فأمسكتها وهرستها بيدي وشاهدتها تتمزق إلى سبعين قطعة . ولكن . وضعت الموضوع أخيراً . نعم أخيراً رغم هذا كله . رغم المالنخوليا . وكل شيء . وضعت موضوعي هنا !
لماذا سارجون؟
اكتشفت أن شخصية سارجون ليست فقط محصورة بالعالم العربي , فهناك فرقة استرالية اسمها Sargon ومتخصصة في فن الميتال روك . وهذا النوع من الفنون صرعَ العالم من شرقه لغربه وأدمنته الشبيبة أشد الإدمان , وهذا اللون الفني لا يعنيني ولا أميل له : لكن استغربت أن تتسمى هذه الفرقة بهذا الاسم العظيم . وهذا دليل على أن للخلود ألف وسيلة ووسيلة .
والقلة من الناس تعرف شخصية سارجون الحقيقية مع أنها شخصية على قدر كبير من الأهمية . فالامبراطور سارجون الأكادي هو أول امبراطور في التاريخ البشري . والأهم أنه سامي العِرق , وأفكاره كانت محورية في آفاق النشأة السياسية للإنسان المدني .
وأنا ممّن يرون بضرورة تخليد الرموز الإنسانية , وأقف على النقيض ممّن ينكرون مواهب الأفراد وينسبونها للبنيات الاجتماعية أو الطبيعية أو النفسية . وأذهب إلى أبعد من الاعتراف بالموهبة الفردية , لأؤمن بالاستقراطية : فالأفضل لا بد وأن يُغاير الجميع , وهذه الأفضلية هي ما يمكن تسميتها بالقوة النوعية الناعمة ( وهي القوة التي تفرض نفسها بتلقائية , ونعومة , ومدنية ) .
سارجون نفسه ابتدأ من الصفر , وانتهى إلى الخلود , صنع مجده بيده , ولم ينته مجده بموته !
والأرستقراطية هي مبدأ سيادة الأفضل , والأقوى نوعياً " لا كمياً " وفيها تنافس وصراع من أجل تسلق القمة , ومثل هذا النوع من الأفكار اتُّهم بالطوباوية والمثالية . ولو أردنا أن ننساق خلف هذه الآراء المعارضة للأرستقراطية لقلنا أن المنطق نفسه أرستقراطي : لأنه يبحث في المعيار , ولا يكترث بالوصف .
لماذا أهيم حباً بالبنط ستة في أسفل ردودي ؟
لأني بسببه أكتب , لكي يرى الآخرون اسمي . فأفكاري كلها لا تستحق من يعبّر عنها : فكل فكرة أقطع رأسها وأغتالها بمجرد إظهارها للآخرين . إني أؤثر الصمت على المقُول . فما يقال , دائماً وقطعاً , هو لا شيء .. مقارنة بالمسكوت عنه .
إن منجَم الحياة الحقيقي , يظل صامتاً , ممتنعاً عن الظهور , ويموت في مكانه في غور النفس بلا اكتشاف , كثروة لم تجد رصيداً يحتويها ..
وحبّي للظهور هو ما يجعلني أكتب هنا أو هناك , لأن الحقيقة لم تعد تهم من بعد , صار الباحثون عنها قلة من المهمّشين , المغيبين , وصارت الحقيقة تتهم نفسها بنفسها , لا تظهر لأحد . فالأنبياء ماتوا , والحواريّين هلكوا , والأدعياء ملأوا كل ثقب .
والآن دعوني أجرب هذا البنط , كما جرّبته آلاف المرات !
أحبتي ..تماشياً مع موضة تغيير الأسماء ..
فإنني اتخذت من سارجون إسماً ليكون قناعاً جديداً بعد أن رميت عدة أقنعة من قبله .
وصادف أن أحد الأشخاص في الإنترنت يكتب بإسم عاشق الشــام, ولم أشأ أن يكون إسمي سرقة أدبية له , فتركته في حال سبيله وآثرت أن أنتحل شخصية ملك آكاد القديم ( سارجون) .
تحياتي لموطني .. منتدى عالم الرومانسية حيث تسير الأرواح وتندغم بسلاسة ونعومة !
سلاماً سلاماً ..