
إضاءات رمضانية عبر التاريخ
يتميز شهر رمضان عن باقي شهور السنة، بإحتلاله موقعاً خاصاً في صفحات التاريخ الإسلامي. وقد سجلت على صفحاته ما شهده هذا الشهر من أحداث ووقائع ما لا يمكن نسيانها أو التغافل عنها، وذلك لما لها من دور اساسي في بناء الكيان الإسلامي، والنشأة الحضارية له... فهذا الشهر حافل بذكريات لها قيمتها الخاصة، ومكانتها المرموقة عند المسلمين، غير ان البعض يرى ان الإشادة بهذه الذكريات وتمجيدها، ما هي إلا وقوف على الأطلال ليس أكثر. وذلك لأنهم يتصورون ان التاريخ فرصة زمنية فاتت إلى غير رجعة، وما فات مات. في حين ان الواقع يحكي عكس ذلك، اذ ان معرفة التاريخ ودراسة أحداثه تنير الطريق للأجيال الطالعة، موفرة لهم فرص بناء مستقبل رشيد.
فكل من زار التاريخ يتزود من تجاربه، ويسترشد بعبره.. لا يحرم من معرفة حقائق تكشف له إمتداد الحق وإمتداد الباطل، وسبيل الرقي وسبيل الإنحطاط وأهل الخير وأهل الشر.. وعلى هذا فهل من الصحيح ان نغض البصر عما جرى في تاريخنا؟ كلا؛ لابد ان تستضيء بهذا التاريخ، وندقق النظر في فصوله، ونستنطق تجاربه.. لننعم بخيراته الوافرة. خصوصا ونحن المسلمين أمة لها جذورها العميقة في التاريخ، كما لها أفكارها وعقائدها، ولها رجالها.. فمن الخطأ ان ننفصل عن التاريخ، لان التاريخ أبو الحاضر وجد المستقبل، وذكرياته -المفرحة منها والمؤلمة- لا يمكن ان تذهب إدراج الرياح.
وذكريات شهر رمضان جانب من تاريخنا، ولكي نحيط علما بمجملها، نذكر منها ما يلي:
1/ نزول القرآن: لعل من أهم ذكريات هذا الشهر الفضيل، هو إستقباله لنور الوحي، حيث نزلت فيه أولى آيات القرآن المجيد على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله، وذلك في غار حراء في مكة المكرمة. إستمرت الآيات تتلى عليه من فم الوحي لتكون قرآنا يرسم للمسلمين منهاج الحياة، وسبيل الرشاد.. وتخليدا لهذه الذكرى العطرة، قال ربنا عزوجل: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) [البقرة/ 185].
2/ ليلة القدر: لقد حظي شهر رمضان بليلة هي خير من ألف شهر، وقد أنزل الله في شأنها قرآنا، حيث قال: بسم الله الرحمن* انا أنزلناه في ليلة القدر* وما أدراك ما ليلة القدر* ليلة القدر خير من ألف شهر* تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر* سلام هي حتى مطلع الفجر). ولا نبالغ ان قلنا؛ من يغفل عن هذه الذكرى يفوته خير كثير، وذلك لان ليلة القدر هي منبع الخيرات والبركات. وعليه لابد من إحيائها بترتيل آيات القرآن والتدبر فيها، والتوجه إلى الله جل وعلا بالدعاء والتضرع والإستغفار والتوبة، والإكثار من الصلوات.. ومن خلال كل ذلك يجد الإنسان طريقا ليعرج به إلى مراتب القرب من الله تعالى، وصياغة شخصيته وفق تعاليم الدين الحنيف.
3/ غزوة بدر الكبرى: انها ذكرى أول معركة خاضها المسلمون ضد قوات الشرك، وذلك في السابع عشر من شهر رمضان عام 2 للهجرة. يومذاك كان المسلمون قلة قليلة في العدد، وليس عندهم من الإمكانات والمعدات ما تؤهلهم للدخول في معركة ضد عدو لا ينقصه المقاتلون ولا تعوزه المعدات والإمكانات.. بالرغم من كل ذلك نزل المسلمون إلى ساحة الحرب بإرادة صلبة وروحية وثابة، نابعتان من إيمانهم وإخلاصهم، فقاتلوا قتال الأشاوس وأبلوا بلاءً حسنا، حتى كسروا جيش المشركين وألحقوا به الهزيمة. وهذا الإنتصار الكبير كان بوابة إنتصارات المسلمين الأخرى، حيث فتحوا البلاد، ونشروا كلمة الإسلام في الآفاق.
4/ فتح مكة: ومن الأيام التي لا تنسى في تاريخ المسلمين، يوم فتح مكة، والذي يصادف في الحادي والعشرين من شهر رمضان عام 8 للهجرة. كانت مكة قبل ذلك تمثل عاصمة المشركين، وتعد من أقوى قلاعهم، ولم يتراخ رجالها في ملاحقة المسلمين وإنزال العذاب عليهم، حتى نفوهم في شعاب مكة، وعذبوهم في صحاريها الحارقة، وهجروهم من ديارهم، وقتلوهم شر قتلة.. مع كل ذلك دخل جيش الإسلام بقيادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة المكرمة فاتحين من دون إراقة قطرة دم.
وما شاع خبر هذا الفتح الاسلامي، وأسلوبه الرائع في التعامل مع البلاد المفتوحة، حتى تزاحمت وفود عشائر العرب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتعلن إسلامها. فدخل الناس أفواجا أفواجا في الإسلام بإرادتهم من دون إكراه. وتكريما لهذه المناسبة، أنزل الله تعالى سورة سماها النصر، قال فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم* إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا* فسبح بحمد ربك وإستغفره انه كان توابا).
5/ المؤاخاة: ثمة ذكرى تاريخية لإنجاز كبير حققه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الثاني عشر من شهر رمضان، حيث آخى بين المسلمين في المدينة المنورة، بغض النظر عن الفرق القومي، والتمايز العشائري، والتفاضل المادي.. الذي كانت تعيشه العرب أبان الجاهلية. وكان لهذا الإنجاز الحضاري أبعاد شتى؛ منها القضاء على كل العداوات الجاهلية، وخلق روح الألفة والمحبة بين المسلمين..
ويذكرنا القرآن بهذه النعمة الإلهية، حيث يقول جل وعلا: (واذكروا نعمت الله عليكم اذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) [آل عمران/ 103].
6/ وفاة أبي طالب(رضوان الله عليه): على الرغم من ان لأبي طالب علاقة نسبية بأعظم شخصيتين في تاريخ الإسلام، الا وهما النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو عمه، وأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام؛ فهو أبوه، غير ان لهذا الرجل من المواقف البطولية ما يستحق ان يخلد على مر الزمان. اذ كان له دور بارز في حماية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أذى المشركين، والدفاع عن حرمة الإسلام ونصرة المسلمين.. حتى قضى نحبه في السابع عشر من رمضان عام الهجرة.
7/ وفاة السيدة خديجة (رضوان الله عليها): ذكرى وفاة السيدة خديجة عليها السلام في العاشر من رمضان، تبعث في المسلمين روح العطاء والتضحية، وترسخ في الأمة كل معاني الوفاء لدين الله، وتجلي معنى النصرة للحق.. فالسيدة خديجة لم تدخر لنفسها مالا مع ما كان لها من ثروة طائلة، ولم تعر لمكانتها الإجتماعية أهمية مع ما كان لها من وجاهة.. فكل شيء عندها يهون من أجل الإسلام، ولا يمكن لأحد من ينكر فضلها في تثبيت قواعد الإسلام ونشره، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها: (ما قام ولا إستقام ديني الا بسيف علي ومال خديجة).
8/ شهادة أمير المؤمنين(ع): ذكرى أليمة توجه الأنظار إلى شخصية عظيمة.. فصحيح ان سيف عبد الرحمن بن ملجم كان سببا في شهادة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الحادي والعشرين من شهر رمضان عام 40 للهجرة، وذلك في عملية إغتيال دبرت له في مسجد الكوفة. الا ان الأمام علياً عليه السلام حي يرزق بمواقفه وبطولاته ونهجه.. ولا يمكن ان ننسى ما قال الله تعالى في حقه: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) [المائدة/ 55] كما لا يغيب عنا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقه: (علي مع الحق والحق مع علي)، (علي مع القرآن والقرآن مع علي)، (ذكر علي عبادة)..
هذا الحدث المؤلم يذكر المسلمين بإمامهم الذي لا تحد فضائله ولا تحصى مناقبه.
9/ ميلاد الإمام الحسن (ع): في النصف من شهر رمضان عام 2 للهجرة، ولد الإمام الحسن عليه السلام، وهو الإبن الأكبر للإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء عليهما السلام. وقد حظي بعناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ ولادته، وتربى على يديه الكريمتين، وقد سجل له التاريخ أدواراً مشهورة لايمكن غض البصر عنها.
10/ تشريع الصيام: لا ريب ان تشريع الصيام في هذا الشهر، هو بحد ذاته حدث تاريخي لا يغيب عن البال. فما ان تطل أيام شهر رمضان، الا وأجواء الصيام تعم البلاد الإسلامية، حيث يبادر المسلمون لإداء هذه الفريضة، وهم يعلمون سلفا مالها من آثار إيجابية على نفوسهم، وصحة وسلامة لأبدانهم. وعادة ما يصحب هذا الشهر توجه خاص للعبادة وفعل الخيرات وعمل الصالحات..
ويبقى شهر رمضان يفيض بالذكريات، التي تحكي عظمة أمتنا وأمجادها. وما ذكرناه ليس الا شاهداً من التاريخ، يدعونا إلى ان نتذكر مالنا من قوة على جميع أصعدة الحياة، لكي لا ننهزم في مقاومة التخلف والإنحطاط، ولا ننهار أمام ضغوط الأعداء. فأمة أكرمها الله برسالته، وجعل إحدى لياليها خير من ألف شهر، وشرع فيها الصيام رمز الصبر والمقاومة، وخلد فيها رجالا كعلي بن أبي طالب ووالده، ومن النساء أم المؤمنين خديجة.. لا يصح لأبنائها ان يعيشوا الذل والاستسلام، وان يرزحوا تحت نير الجهل والضعف والانكسار.
وذكريات شهر رمضان ما هي الا معالم توحي لنا بان بركاته كثيرة، فلنتعرض لخيراته.